أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

303

الكامل في اللغة والأدب

الحسن الكسائي : كيف تنشد بيت الفرزدق ؟ فأنشده : غداة أحلّت لابن أصرم طعنة * حصين عبيطات السدائف « 1 » والخمر فقال الكسائي لما قال : غداة أحلت لابن أصرم طعنة حصين عبيطات السدائف تمّ الكلام ، فحمل الخمر على المعنى ، أراد وحلّت له الخمر . فقال له يونس : ما أحسن ما قلت ، ولكن الفرزدق أنشدنيه على القلب ، فنصب الطعنة ورفع العبيطات والخمر على ما وصفنا من القلب ، والذي ذهب إليه الكسائي ، أحسن في محض العربية وإن كان إنشاد الفرزدق جيّدا . وقوله : فلما دنا قلت ادن دونك ، أمر بعد أمر وحسن ذلك : لأن قوله ادن للتقريب . وفي قوله دونك أمره بالأكل ، كما قال جرير « 2 » لعيّاش بن الزبرقان : أعيّاش قد ذاق القيون « 3 » مواسمي * وأوقدت ناري فادن دونك فاصطل ( جمع ميسم وهو حديدة يصنع بها البيطار ) . وقوله : على ضوء نار مرة ودخان ، يكون على وجهين أحدهما على ضوء نار وعلى دخان ، أي على هاتين الحالتين ارتفعت النار أو خبت وجائز ان يعطف الدخان على النار وإن لم يكن للدخان ضياء ، ولكن للاشتراك كما قال الشاعر : يا ليت زوجك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا لأن معناهما الحمل ، وكما قال : شرّاب ألبان وتمر وأقط ، فأدخل التمر في المشروب لاشتراك المأكول والمشروب في الحلوق . وهذه الآية تحمل

--> ( 1 ) عبيطات : جمع عبيطة وهي الذبيحة تنحر في غير علة وهي سمينة السدائف : جمع سديف وهو شحم السنام وكان حصين بن أصرم قتل له قريب محرم على نفسه أكل اللحم وشرب الخمر حتى يأخذ بثأره وما زال كذلك حتى نال ثأره فحل له ما كان حرمه على نفسه في زعمه . ( 2 ) جرير بن عطية الخطفي ، من بني كليب بن يربوع ، أحد فحول الشعراء في العصر الأموي ، اشتهر بالنقائض مع الأخطل والفرزدق ، وتهاجى مع الطرمّاح بن حكيم الطائي . أنظر : الأغاني 8 / 3 و 11 / 55 و 15 / 273 ، و 16 / 245 ، الشعر والشعراء 304 ، شرح شواهد المغني ، الموشح ، خزانة الأدب 11 / 36 وغيرها . ( 3 ) القيون جمع قين وهو الحداد وأراد بالمواسم قواذع الهجاء في شعره الذي كان يذمهم به .